الفيض الكاشاني
22
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
وأمّا الفقيه : فهو كالكافي ، في أكثر ذلك ، مع خلوّه من الأصول ، وقصوره عن كثير من الأبواب والفصول . وربّما يشتبه الحديث فيه بكلامه ، ويشتبه كلامه في ذيل الحديث بتمامه ، وربّما يرسل الحديث إرسالا ، ويهمل الإسناد إهمالا . وأمّا التهذيب : فهو وإن كان جامعا للأحكام ، موردا لها قريبة من التمام ، إلّا أنّه كالفقيه في الخلوّ من الأصول ، مع اشتماله على تأويلات بعيدة وتوفيقات غير سديدة ، وتفريق لما ينبغي أن يجمع ، وجمع لما ينبغي أن يفرّق ، ووضع لكثير من الأخبار في غير موضعها ، وإهمال لكثير منها في موضعها ، وتكرارات مملّة وتطويلات للأبواب مع عنوانات قاصرة مخلّة . وأمّا الاستبصار : فهو بضعة من التهذيب ، أفردها منه مقتصرا على الأخبار المختلفة والجمع بينها بالقريب والغريب . وبالجملة ، فالمشايخ الثلاثة ، شكر اللّه مساعيهم ، وإن بذلوا جهدهم ، أرادوا وسعوا في نقل الأحاديث وجمع شتاتها وأجادوا ، إلّا أنّهم لم يأتوا فيها بنظام تام ، ولا وفي كلّ واحد منهم بجميع الأصول والأحكام ، ولم يشرحوا المبهمات منها شرحا شافيا ، ولم يكشفوا كثيرا ممّا كان منها خافيا ، ولم يتعاطوا حلّ غوامضه ، ولا تفرّغوا لتفسير مغامضه ، ولكنّ الإنصاف أنّ الجمع بين ما فعلوا وبين ما تركوا أمر غير ميسّر ، بل خطب لا تبلغه مقدرة البشر ، فهم قد فعلوا ما كان عليهم ، وإنّما بقي ما لم يكن موكولا إليهم . فكم من سرائر بقيت تحت السواتر ، وكم ترك الأوّل للآخر ، ولم أر أحدا تصدّى لتتميم هذا الأمر إلى الآن ، ولا صدع به أحد من مشايخنا في طول الزمان ، مع أنّ الأفئدة في الأعصار والأدوار هاوية إليه ، والأكباد في الأقطار والأمصار هائمة عليه . فشرعت فيه وجمعت جمعا وتدوينا ، ونظّمته نظما وترتيبا ، وهذّبته تهذيبا ، ورتّبته ترتيبا ، وفصّلته تفصيلا ، وسهّلت طريق تناوله تسهيلا ، وبذلت جهدي في ألا يشذّ عنه حديث ولا إسناد ، يشتمل عليه الكتب الأربعة ما استطعت إليه سبيلا ، وشرحت منه ما لعلّه يحتاج إلى بيان شرحا مختصرا في غير طول . وأوردت بتقريب الشرح أحاديث مهمّة من غيرها من الكتب والأصول ، ووفّقت بين أكثر ما يكاد يكون متنافيا منه توفيقا سديدا ، وأوّلت بعضه إلى بعض تأويلا غير